على منصة «منتدى مصر 2026»، وفي رحاب جلسة مفصلية حملت عنوان «مسيرة الطاقة المصرية: إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، وتحت رعاية وتشريف فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، جاءت كلمات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لتزيح الستار عن كواليس إدارة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية العالمية التي تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن القومي والاجتماعي للبلاد.
لم تكن الكلمة مجرد سرد لأرقام أو رصد لإحصائيات، بل كانت مكاشفة وطنية من الطراز الرفيع، تضع المواطن وجهاً لوجه أمام الحقيقة، وتكشف حجم المخاض الذي تعيشه الدولة يومياً لتأمين رغيف الخبز، ووقود السيارات، وإضاءة البيوت.
🌐 بين 75 و110 دولارات.. عندما تضرب الأزمات العالمية قلب الموازنة
تبدأ الحكاية من مفارقة رقمية صارخة تفرضها قسوة الأسواق الدولية؛ فالموازنة العامة للدولة بُنيت على أساس تقديري يستهدف 75 دولاراً لبرميل البترول، غير أن رياح الأزمات الراهنة دفعت بالسعر ليزحف نحو حاجز 110 دولارات للبرميل.
ولم تقتصر التداعيات على وقود النقل فحسب، بل امتدت كالطوفان لتلتهم أسعار الغاز الطبيعي المخصص لإنتاج الطاقة، مولدةً أعباءً إضافية تتضاعف معها تكلفة استيراد الشحنات الحيوية لتصبح اليوم تعادل ضعف ما كانت عليه قبل عامين فقط.
⚖️ معادلة الخيارات الثلاثة الصعبة
وأمام هذا المأزق العالمي، كشف رئيس الوزراء عن الخيارات الثلاثة المتاحة أمام الدولة، موضحاً بجرأة بالغة أبعاد كل خيار وتكلفته الاستراتيجية:
- الخيار الأول (التحميل الكامل على المواطن): وهو المسار الذي سلكته العديد من الدول النامية والمتقدمة على السواء بنقل التكلفة كاملة للشارع، بيد أن الدولة المصرية رفضته انطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية وحمايةً للطبقات المتوسطة والبسيطة.
- الخيار الثاني (التحمل الكامل عبر الاقتراض): وهو خيار ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ إذ يتطلب توسعاً في الاستدانة لتغطية الفارق، وهو اقتراض لا يأتي مجانياً، بل تتضاعف قيمته المستحقة نحو المثل خلال سبع سنوات فقط بفعل تراكم الفوائد، ليلقي بتبعات ثقيلة على أجيال المستقبل ويثقل كاهل الدين العام، عدا عن تعريض الحكومة لانتقادات نقدية لا تقدر حجم الضغط المتحمل.
- الخيار الثالث (تقييد المخصصات وتجفيف الإمدادات): وهو الإبقاء على موازنة الشراء كما هي وفق الموارد المتاحة، وهو سيناريو كارثي كان سيؤدي إلى تلبية 50% إلى 60% فقط من احتياجات السوق، متسبباً في شح الوقود وتكدس المحطات، ودافعاً بالدولة مرغمة إلى سيناريوهات قاسية كتخفيف الأحمال الكهربائية لفترات تتراوح بين 6 إلى 8 ساعات يومياً.
🔄 كواليس المجموعة الاقتصادية: حرب مستمرة في الغرف المغلقة
كشف مدبولي عن وجه خفي لا يظهر على شاشات التلفزيون؛ حيث تخوض المجموعة الاقتصادية، بالتنسيق الدائم مع محافظ البنك المركزي، معارك إدارية ومالية تمتد لـ ثلاثة أيام أسبوعياً في اجتماعات شاقة لتدبير الاعتمادات الدولارية والمحلية المطلوبة لتأمين شحنات الطاقة، مؤكداً أن الحفاظ على انتظام تدفق السلع والوقود وعدم انقطاع التيار الكهربائي هو ثمرة جهد مضنٍ وخلفه معركة استنزاف يومية للموارد.
☀️ العبور نحو المستقبل: استراتيجية الطاقة المتجددة (2028 – 2030)
إدراكاً لأن الاعتماد على الوقود التقليدي بات رهانًا خاسراً، جاءت توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي قاطعة وحاسمة بضرورة استشراف المستقبل وتسريع وتيرة التحول الأخضر:
- قفزة 2028: تقديم خطة الوصول بنسبة الطاقة الجديدة والمتجددة إلى 45% من مزيج الطاقة المصري لتتحقق بحلول عام 2028 بدلاً من المخطط الأصلي في 2030.
- طموح 2030: رفع النسبة إلى 50% بحلول عام 2030، وذلك بالتعاون والتكامل مع الأذرع التنموية للدولة مثل صندوق تحيا مصر وجهاز مستقبل مصر.
- فاتورة البنية التحتية: ولأن الحلم يحتاج إلى سند مالي، رصدت الدولة نحو 200 مليار جنيه لتنفيذ وتأهيل شبكات الكهرباء المطلوبة لمواكبة هذه الطفرة الخضراء بحلول 2028، مؤكداً إدراج الاعتمادات بالكامل ضمن الخطة التنفيذية.
🛡️ الخلاصة: درع الدولة وسياج الأمان
في خاتمة بليغة تختزل فلسفة الإدارة الحالية، طرح رئيس الوزراء تساؤلاً استنكاريًا: “هل نحن نحمل المواطن السعر الحقيقي؟” ليجيب قاطعاً بأن المقارنة بين تكلفة الإنتاج الفعلية للتر البنزين أو كيلووات الكهرباء وما يسدده المواطن تثبت بما لا يدع شكاً أن الدولة لا تزال وستظل تتحمل النصيب الأكبر من الفاتورة، واقيةً شعبها من لهيب الأزمات الدولية، وموازنة بدقة بالغة بين استقرار الاقتصاد الوطني، وحماية الأجيال القادمة، وصون كرامة المواطن الأساسية.





